ابن الوزان الزياتي

200

وصف افريقيا

وهذه الولاية ، في الحقيقة ، زهرة كل هذه المنطقة . فهي تضم قرابة أربعين مدينة وحوالي ثلاثمائة قصر يسكنها عدد من العشائر البربرية . وقد ثارت في عام 323 ه « 6 » بتحريض من داعية شيعي يدعى حاميم بن منّ اللّه . وقد اقنع هذا الرجل الشعب بألايدين بالطاعة ولا يدفع ضرائب لملوك فاس باعتبار ان هؤلاء كانوا ظالمين ، ولأنه هو نفسه نبي ، حتى لقد استحوذ ، خلال قليل من الوقت ، على السلطتين الزمنية والروحية في هذا الإقليم . وحينئذ شن حربا ضد هؤلاء الملوك الذين كانوا منهمكين في نفس الوقت ، في حرب مع قبيلة زناتة . فأضطروا للتفاوض مع هذا الرجل تاركين له حق التمتع بالحكم في إقليم تامسنه في حين يحتفظون هم بالسيادة على فاس ، وتعهد كل فريق بألا يزعج الآخر . وظل حاميم يحكم مدة خمس وثلاثين سنة . وظل خلفاؤه محتفظين بالإقليم قرابة مائة عام « 7 » . ولكن بعد أن أسس الملك يوسف ، مع قبيلته لمتونة ، مدينة مراكش « 8 » حاول فورا أن يكون سيد هذا الإقليم ، أي تامسنه ، فأرسل إليه بضعة علماء مبشرين من أهل السنة في محاولة منه لانتزاع أهله من مروقهم ولاجتذابهم إليه دون أن يشهر عليهم حربا . فاجتمع هؤلاء في مدينة أنفا « 9 » مع أميرهم ، وهو حفيد الداعية المذكور ، وقرروا إعدام السفراء ونفذوا قرارهم . وعبأوا بعدئذ جيشا قوامه خمسون ألف محارب قاصدين طرد قبيلة لمتونة من مراكش ومن المنطقة كلها . وعندما علم يوسف بذلك انتابه أشد غضب انتابه في حياته . فجمع جيشا عظيما ولم ينتظر قدوم العدو إلى مراكش ، ووصل في خلال ثلاثة أيام إلى الإقليم بعد أن عبر نهر أم الربيع . وعندما رأى أهل تامسنه هذا الجيش الزاحف لمواجهتهم بحمية شديدة ، انتابهم الخوف ، وتحاشوا المعركة وعبروا نهر أبي الرقراق في اتجاه فاس ، تاركين إقليمهم . وحينئذ أباح الملك يوسف هذا الإقليم وسكانه لجيشه فأصبح طعمة للنار والدم والنهب والتقتيل للكبار والصغار حتى الأطفال الرضع .

--> ( 6 ) 935 م . ( 7 ) والحقيقة هي أن النبي الكاذب أبو محمد حاميم بز منّ الله ثار في منطقة طنجة بين عامي 313 و 315 ه / أي من 925 إلى 927 م . وابتداء من عام 740 م ، أي بعد ثلاثين عاما من بداية الفتح الإسلامي ، حدثت بين بربر المغرب فتنة عامة كان فمعها عسيرا ، كما أن قبيلة بغوارته ، التي كانت تحتل آنئذ إقليم تامسنة ، لم تخضع مطلقا . وفي حوالي العام 745 م تمكن زعيمهم صالح بن طريف أن يؤسس مذهبا إسلاميا بربريا منشقا انضمت إليه عشائر بربرية عديدة ودام هذا المذهب مدة تزيد على ثلاثة قرون . ( 8 ) يوسف بن تاشفين . ( 9 ) في موقع الدار البيضاء الحالية .